الشيخ محمد الصادقي الطهراني

199

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ذريته ؟ وذلك بعيد عن مقام الخليل أمام ربه الجليل ، وقد ابتلي هو نفسه بكلمات ، فكيف يدعو لذريته دون ابتلاء ! . « وَمِنْ ذُرِّيَّتِي » ليست لتتعلق - / فقط - / ب « إِنِّي جاعِلُكَ . . . » بل وقبلها ب « ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ » إذا فلدعاءه بعدان اثنان ، أن يبتلي ربه من ذريته - / كما هو - / بكلمات ، ثم يجعله بإتمامهن إماما ، فأضاف ربه إليهما بعدا ثالثا « قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » فلا يصلح الظالم أن يبتلي بكلمات تلك الإمامة حتى يجعل إماما . وترى إبراهيم الخليل عليه السلام هو بعد كأضرابه من النبيين ، حكمت عليه رغبة امتداد الإمامة في ذريته فسألها لهم ربه ؟ ولا وراثة فيها ، ولا تقدم لها فيهم لأنهم - / فقط - / ذرية ! . نقول هنا : إضافة إلى أن امتداد الشخصية - / زمنية أو روحية أما هيه ؟ - / هو رغبة فطرية ، أودعها اللّه في فطرت الإنسان ، تنمية للحياة ، ومضيا في طريقها المرسوم ، وقد قرر الإسلام على أساسه شرعة الميراث وسائر الإختصاص في حقل التربية مادية ومعنوية : « وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ » - / « قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً » نقول إضافة إلى ذلك إنه استدعاء بشروط ، دونما فوضى جزاف ، ودون سلب لغير ذريته ، ومن ثم فدعاءه - / كسائر فعله - / إنما هو بإذن ربه ودعاءه - / قضية التسليم المطلق لساحة الربوبية وقد عرف وحيا من ربه ان من ذريته من إسماعيل من يأهل لتلك الإمامة . وكما في دعاءه « رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ . . . » ( 2 : 128 ) وما البعد الثالث لتحقيق ذلك الدعاء : « لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ » إلّا توضيحا لسائر الأجيال في هذه الإذاعة القرآنية العالمية ، وليس تفهيما لإبراهيم ، العارف شروطات تلك الإمامة الكبرى كما لمسها في نفسه .